السيد كمال الحيدري
335
اللباب في تفسير الكتاب
سبحانه في عبادته ، ولم يتعلّق قلبه في عبادته رجاءً أو خوفاً هو الغاية في عبادته كجنّة أو نار ، فيكون عبادته له لا لوجه الله . وقد أشار الشيخ ابن سينا إلى الفوارق بين هذه الطرق بقوله : « العارف يريد الحقّ الأوّل لا لشئ غيره ، ولا يؤثر شيئاً على عرفانه ، وتعبّده له فقط لأنّه مستحقّ للعبادة ، ولأنّها نسبة شريفة إليه ، لا لرغبة أو رهبة ، وإن كانتا فيكون المرغوب فيه أو المرهوب عنه هو الداعي وفيه المطلوب ، ويكون الحقّ ليس هو الغاية بل الواسطة إلى شئ غيره ، هو الغاية وهو المطلوب دونه » « 1 » . أي إنّ إرادة العارف وهم أصحاب الطبقة الثالثة وتعبّده إنّما يتعلّقان بالحقّ الأوّل لذاته ، ولا يتعلّقان بغيره لذات ذلك الغير ، بل إن تعلّقا بغير الحقّ تعلّقا لأجل الحقّ أيضاً . لذا قال : « ولا يؤثر شيئاً على عرفانه » بمعنى أنّه لا يؤثر شيئاً غير الحقّ على عرفانه ، فإنّ الحقّ مؤثر على عرفانه ، لأنّ العرفان ليس بمؤثر لذاته عند العارف . وهذا ما صرّح به في قوله : « من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني ، ومن وجد العرفان كأنّه لا يجده بل يجد المعروف به فقد خاض لجّة الوصول » « 2 » وذلك لأنّ العرفان حالة للعارف بالقياس إلى المعروف ، فهي لا محالة غير المعروف ، على هذا فمن كان غرضه من العرفان نفس العرفان فهو ليس من الموحّدين لأنّه يريد مع الحقّ شيئاً غيره . وأمّا من عرف الحقّ وغاب عن ذاته فهو غائب لا محالة عن العرفان الذي هو لذاته ، فهو قد وجد العرفان كأنّه لا يجده ، بل يجد المعروف فقط ، وهو الخائص لُجّة الوصول أي معظمه . وهذا بخلاف غير العارف وهم أصحاب الطبقة الأُولى والثانية فإنّه
--> ( 1 ) الإشارات والتنبيهات ، ابن سينا ، المطبعة الحيدريّة ، النجف الأشرف ، 1403 ه : ج 3 ص 375 . ( 2 ) المصدر السابق : ج 3 ص 390 .